
مدير عام الدعوة بكفر الشيخ يكتب.. التربية الأخلاقية في الإسلام، وأثرها على الفرد والمجتمع.
متابعه محمود علوان
الحمد لله رب العالمين والصلاه والسلام على البشير النذير السراج المنير الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم ، أما بعد:
فمما لا شك فيه أن أن الإنسان يتكون من جسد وروح، ظاهر وباطن، والأخلاق الإسلامية تمثل صورة الإنسان الباطنة، والتي محلُّها القلب، وهذه الصورة الباطنة هي قوام شخصية الإنسان المسلم، فالإنسان لا يقاس بطوله وعرضه، أو لونه وجماله، أو فقره وغناه، وإنما بأخلاقه وأعماله المعبرة عن هذه الأخلاق، يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].
ويقول صلى الله عليه وسلم (إنَّ الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
وحاجة الناس إلى الأخلاق أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب لانه بفقد الطعام والشراب يضعف البدن الظاهر، أما بفقد الأخلاق هلاك الباطن وهو عبارة عن الروح والقلب وشتان بين هلاك الظاهر وهلاك الباطن فلابد من الاهتمام بالتربية الأخلاقية للمجتمع منذ البداية .
أولا: المقصود بالتربية الأخلاقية :
====================
التربية الأخلاقية هي: مجموعة المبادئ الخلقية والفضائل السلوكية والوجدانية التي يجب أن يتلقنها الإنسان، ويكتسبها ويعتاد عليها منذ تمييزه وتعقله إلي أن يصبح مكلفا إلى أن يتدرج شابا إلى أن يخوض خضم الحياة.
ومما لا شك فيه أن الفضائل الخلقية والسلوكية والوجدانية هي ثمرة الإيمان الراسخ والتنشئة الدينية الصحيحة.
ثانياً: حديث القرآن الكريم والسنة النبوية عن الخلق :
*****************************************
لقد تحدث القرآن الكريم في آيات تبلغ حدا في الكثرة عن الأخلاق وأهميتها، ومن هذه الآيات مايلي:
١. قال تعالى في سورة القلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خلقٍ عَظِيمٍ} .
٢. وقال تعالى في سورة الجمعة: {هوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهمْ يَتْلو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيزَكِّيهِمْ وَيعَلِّمهم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْل لَفِي ضَلَالٍ مبِينٍ}.
٣. أيضا قال تعالى في سورة الأحزاب: {لَقَدْ كَانَ لَكمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسْوَة حَسَنَة لِمَنْ كَانَ يَرْجو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.
٤. كذلك قال الله تعالى في سورة آل عمران: {وَسَارِعوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكمْ وَجَنَّةٍ عَرْضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض أعِدَّتْ لِلْمتَّقِينَ * الَّذِينَ ينفِقونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يحب الْمحْسِنِينَ}.
٥. قال الله تعالى في سورة فصلت: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَه عَدَاوَة كَأَنَّه وَلِي حَمِيم}.
٦. قول الله تعالى في سورة البقرة عن القول الحسن: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبدونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقولوا لِلنَّاسِ حسْنًا}.
أما حديث السنة النبوية المطهرة عن الأخلاق فمنها ما يلي:
———————————————————————–
١. حصر النبي – صلى الله عليه وسلم- بعثته وقصرها على حسن الخلق ، حيث قال: “إنما بُعِثْتُ لأتممَ مكارم الأخلاق”.
وفي رواية صالح الأخلاق.
٢. جعل النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أساسَ الخيريَّة والتفاضل بين الناس حسن الخلق فقال: ” إن أحبَّكم إليَّ، وأقربَكم مني في الآخرة مجلسًا، أحاسنُكم أخلاقًا، وإن أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني في الآخرة أسوَؤُكم أخلاقًا، الثَّرثارون المُتفَيْهِقون المُتشدِّقون” .
٣. وكذلك جعَل أجر حُسن الخُلق ثقيلاً في الميزان، بل لا شيء أثقلُ منه، فقال:- صلى الله عليه وسلم – ” ما من شيءِ أثقلَ في ميزان المؤمن يوم القيامة مِن حُسن الخُلق” .
٤. وجعَل كذلك أجرَ حُسن الخُلق كأجرِ العبادات الأساسية، مِن صيام وقيام، فقال- صلى الله عليه وسلم -: ” إن المؤمنَ لَيُدركُ بحُسن الخُلق درجةَ الصائمِ القائم” .
٥. بل بلَغ من تعظيم الشارع لحُسن الخُلق أنْ جعَله وسيلة من وسائل دخول الحنة؛ فقد سُئل – صلى الله عليه وسلم – عن أكثرِ ما يُدخِل الناسَ الجنَّةَ؟ فقال: “تقوى اللهِ وحُسن الخُلق”، وفي حديث آخرَ ضمِن لصاحب الخُلق دخولَ الجنة، بل أعلى درجاتها، فقال: “أنا زعيمٌ ببيت في ربَضِ – أطراف – الجنَّةِ لِمَن ترَك المِراءَ وإن كان محقًّا، وببيتٍ في وسَط الجنة لِمَن ترَك الكذبَ وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنَّة لمن حسُن خلُقه”.
ثالثاً: علاقة الأخلاق الفاضلة بالإيمان الصادق:
============================
كلما كان الإيمان صحيحاً قوياً أثمر أخلاقاً حميدة، فالإيمان القوي يثمر الخلق القوي حتما، وأن انهيار الأخلاق مرده إلي ضعف الإيمان، أو فقدانه بحسب تفاقم الشر أو تفاهته.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام : ” أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً” .
وفي آيات كثيرة وأحاديث نبوية شريفة ربط الإسلام بين الإيمان وحسن الخلق، ونؤكد ذلك من خلال ما يلي:
1- الربط بين الإيمان والعدل:ـ قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ (المائدة:8).
2- الربط بين الإيمان والصدق :ـ قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ (التوبة:119).
3- اقتضاء الإيمان للحياء :ـ قال عليه الصلاة والسلام:” الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياءُ شعبة من الإيمان”.
4- اقتضـاء الإيمان للكرم والبذل:ــ قال صلى الله عليه وآله وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيكرم ضيفه…الحديث”.
5- اقتضـاء الإيمان للحب في الله :ـ قال عليه الصلاة والسلام:” لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”.
6- اقتضـاء الإيمان للصبر والشكر : قال عليه الصلاة والسلام: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خيرٌ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له”.
رابعاً: أثر التربية الأخلاقية علي الفرد والمجتمع :
=============================
لا شك أن الخُلق هو أبرز ما يراه الناسُ، ويُدركونه من سائر أعمال الإسلام؛ فالناس لا يرون عقيدةَ الشخص؛ لأن محلَّها القلبُ، كما لا يرون كلَّ عباداته، لكنهم يرَوْن أخلاقه، ويتعاملون معه من خلالها؛ لذا فإنهم سيُقيِّمون دِينَه بِناءً على تعامله، فيحكُمون على صحتِه من عدمه عن طريق خُلقه وسلوكه، لا عن طريق دعواه وقوله، وقد حدَّثَنا التاريخ أن الشرق الأقصى ممثَّلاً اليوم في إندونيسيا والملايو والفلبين وماليزيا، لم يعتنقْ أهلُها الإسلام بفصاحة الدعاة، ولا بسيف الغزاة، بل بأخلاقِ التجَّار وسلوكِهم، من أهل حضرموت وعمان؛ وذلك لما تعاملوا معهم بالصدق والأمانة والعدل والسماحة.
وإن مما يؤسَفُ له اليوم أن الوسيلةَ التي جذبت كثيرًا من الناس إلى الإسلام هي نفسها التي غدَت تصرِفُ الناس عنه؛ وذلك لما فسَدت الأخلاق والسلوك، فرأى الناس تباينًا – بل تناقضًا – بين الادِّعاء والواقع!
والحق أقول أنه كلما ازداد تمسك المسلم بمكارم الاخلاق وفضائلها زادت قيمته وزاد رضا الله عنه وأحبه الناس وتعلقوا به وأصبح موضع ثقتهم واحترامهم.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في التحلي بالأخلاق الكريمة والصفات الحسنة، والتي تعود بالنفع على الفرد والمجتمع والأمة.
وأثر التربية الأخلاقية الصحيحة يظهر من خلال ما يلي:
1- نشر الأمن والأمان بين الأفراد والمجتمع:
إن أي مجتمع لا يمكن أن يعيش أفراده بأمان وانسجام ما لم تربط بينهم روابط متينة من الأخلاق الكريمة. فمكارم الأخلاق ضرورة اجتماعية لا يستغني عنها أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية؛ لأن بها يتم إصلاح الفرد الذي هو الخطوة الأولى في إصلاح المجتمع كله، وصدق القائل:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
2- سيادة التعاون والتكافل الاجتماعي بين المجتمع؛ فالمسلمون أمة واحده، يعطف غنيُّهم على فقيرهم :
فالفرد المتخلق بمكارم الأخلاق لابد أن يؤدي ما عليه من حقوق اللّه عز وجل، وحقوق الناس، فإن كان موظفا أو مسؤولا فلا بد أن يتقي اللّه في رعيته وفي أسرته، وأن يؤدي لكل ذي حق حقه. فكل إنسان مكلف ومأمور بالتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإحياء سنته الشريفة.
3- نبذ الفُرقة والخلاف وما يمزق المجتمعَ، والالتزام بالقِيَم والمبادئ :
نري أن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم – الذي يجسد أخلاق القرآن العالية – ما أثر في أصحابه ومجتمعه إلا بأخلاقه السامية. فقد استطاع – بخلقه العالية – أن يغير قبائل العرب من أخلاق البداوة والتوحش إلى أخلاق السيادة والقيادة، حتى صاروا أعظم خَلق في العالم. ألا ترى هذه الأقوام المختلفة البدائية في هذه الصحراء الشاسعة المتعصبين لعاداتهم المعاندين في عصبيتهم وخصامهم كيف رفع النبي- صلى الله عليه وسلم- جميع أخلاقهم السيئة البدائية وقلعها في زمان قليل دفعة واحدة؟ وجهزهم بأخلاق حسنة عالية؛ فصيرهم قادة للعالم.
4- المساهمة في خدمة المجتمع، ورفع معاناته، وتقديم ما يفيد للأمة والبشرية؛ فالمؤمن مثل الغيثِ أينما حلَّ نفَع .
5- الإيجابية في المجتمع، وتفعيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مشتملاً على أسسه وقواعده دون تنفير للناس، والعلم أن مقاصد الأديان لا تنفك أبدا عن مصالح الأوطان .
وفي الختام نسأل الله تعالى أن يحسن أخلاقنا وأن يحفظ مصرنا وأن يجعلها في أمانه وضمانه واحة للأمن والأمان والاستقرار.
بقلم فضيلة الدكتور/ عبد القادر سليم، مدير عام الدعوة بكفرالشيخ .






